الجصاص
357
أحكام القرآن
الاستثناء وهو راجع إلى الربائب دون أمهات النساء لأنه يليهن ، فثبت بما وصفنا صحة ما ذكرنا من الاقتصار بحكم الاستثناء على ما يليه دون ما تقدمه . وأيضا فإن الاستثناء إذا كان في معنى التخصيص وكانت الجملة الداخل عليها الاستثناء عموما ، وجب أن يكون حكم العموم ثابتا وأن لا نرفعه باستثناء قد ثبت حكمه فيما يليه إلا أن تقوم الدلالة على رجوعه إليها . فإن قيل : قال الله تعالى : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ) [ المائدة : 33 ] إلى قوله : ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) [ المائدة : 34 ] ، فكان الاستثناء راجعا إلى جميع المذكور لكونه معطوفا بعضه على بعض ، وقال تعالى : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) [ النساء : 43 ] ثم قال : ( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ) [ النساء : 43 ] فكان التيمم لمن لزمه الاغتسال كلزومه لمن لزمه الوضوء بالحدث ، فكذلك حكم الاستثناء الداخل على كلام معطوف بعضه على بعض يجب أن ينتظم الجميع ويرجع إليه . قيل له : قد بينا أن حكم الاستثناء في اللغة رجوعه إلى ما يليه ولا يرجع إلى ما تقدمه إلا بدلالة ، وقد قامت الدلالة فيما ذكر على رجوعه إلى جميع المذكور ولم تقم الدلالة فيما اختلفنا فيه على رجوعه إلى الجميع المذكور . فإن قيل : إذا كنا قد وجدنا الاستثناء تارة يرجع إلى بعض المذكور وتارة إلى جميعه وكان ذلك متعالما مشهورا في اللغة ، فما الدلالة على وجوب الاقتصار به على بعض الجملة وهو الذي يليه دون رجوعه إلى الجميع ؟ قيل له : لو سلمنا لك ما ادعيت من جواز رجوعه إلى الجميع لكان سبيله أن يقف موقف الاحتمال فرجوعه إلى ما يليه أو إلى جميع المذكور ، وإذ كان كذلك وكان اللفظ الأول عموما مقتضيا للحكم في سائر الأحوال لم يجز رد الاستثناء إليه بالاحتمال ، إذ غير جائز تخصيص العموم بالاحتمال ووجب استعمال حكمه في المتيقن وهو ما يليه دون ما تقدمه . فإن قيل : ما أنكرت أن لا يكون اللفظ الأول عموما مع دخول الاستثناء على آخر الكلام بل يصير في حيز الاحتمال ويبطل اعتبار العموم فيه ؟ إذ ليس اعتبار عمومه بأولى من اعتبار عموم الاستثناء في عوده إلى الجميع ، وإذا بطل فيه اعتبار العموم وقف موقف الاحتمال في إيجاب حكمه فسقط اعتبار عموم اللفظ فيه . قيل له : هذا غلط من قبل أن صيغة اللفظ الأول صيغة العموم لا تدافع بيننا فيه ، وليس للاستثناء صيغة عموم يقتضي رفع الجميع ، فوجب أن يكون حكم الصيغة الموجبة للعموم مستعملا فيه وأن لا نزيلها